وهبة الزحيلي
53
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ استعارة تمثيلية ، شبه سرعة إنجازه الأشياء بأمر المطاع من غير امتناع ولا تأخير . مَلَكُوتُ صيغة مبالغة من الملك ، أي الملك الواسع التام كالجبروت والرحموت للمبالغة . المفردات اللغوية : أَ وَلَمْ يَرَ أو لم يعلم . الْإِنْسانُ أي إنسان ، ويشمل من كان سبب النزول ، وهو العاص بن وائل السهمي وأبي بن خلف . أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ أنا خلقناه من أضعف الأشياء ، والنطفة : الذرة من مادة الحياة وهي المني . فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ الخصيم : الشديد الخصومة لنا ، المبالغ في الجدل إلى أقصى الغاية ، والمبين : البيّن في نفي البعث . وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا أي أورد في شأننا قصة غريبة هي في غرابتها كالمثل ، إذ أنكر إحياءنا للعظام النخرة ، ونفى القدرة على إحياء الموتى ، مقارنا ذلك بما عجز عنه ، وقائسا قدرة اللّه على قدرة العبد . وَنَسِيَ خَلْقَهُ نسي خلقنا إياه ، من المني ، وهو أغرب من مثله . قالَ : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ الرميم : البالية أي ما بلي من العظام ، ولم يقل : رميمة لأنه اسم لا صفة ، روي أن العاصي بن وائل أو أمية بن خلف أو أبي بن خلف « 1 » أخذ عظما رميما ، ففتته ، وقال للنبي ص : أترى يحيي اللّه هذا بعد ما بلي ورمّ ؟ فقال ص : « نعم ، ويدخلك النار » وفيه دليل على أن العظم ذو حياة ، فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء . قُلْ : يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ أي فإن قدرته كما كانت ، لامتناع التغير فيه ، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها . وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي وهو بكل مخلوق عليم جملة وتفصيلا ، قبل خلقه وبعد خلقه ، يعلم تفاصيل المخلوقات وأجزاء الأشخاص المتفتتة ، ومواقعها وطريق تمييزها ، وضمّ بعضها إلى بعض على النمط السابق . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً أي أن اللّه يسرّ لكم الانتفاع بالحطب ، تحرقونه للطبخ والدفء ، وقد كان أخضر رطبا ، أو أن هناك شجرا يسمى المرخ ، وشجرا آخر يسمى العفار ، إذا قطع منهما عودان ، وضرب أحدهما على الآخر ، انقدحت منهما النار ، وهما أخضران ، وفي أمثال العرب : « في كل شيء نار ، واستمجد المرخ والعفار » ، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
--> ( 1 ) قال أبو حيان : أقوال أصحها أنه أبي بن خلف ، رواه ابن وهب عن مالك ( البحر المحيط 70 / 348 ) ثم أضاف قائلا : ووهم من نسب إلى ابن عباس أن الجائي بالعظم هو عبد اللّه بن أبي بن سلول ، لأن السورة والآية مكية بإجماع ، ولأن عبد اللّه بن أبي لم يهاجر قط هذه المهاجرة .